محمد أمين المحبي

50

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

ربانيّ طرأ بعده . انتهى كلام السّبكيّ . أقول : يعارض هذا بختانه صلّى اللّه عليه وسلم ، فخلقه تكملة للخلق الإنسانيّ ، ولا شكّ أن بقاءه على تلك الفطرة الإنسانية ، ثم إزالتها بعد ذلك ، فيه تعليم للخلق باتّباعه . فإن قلت : ثمّ فارق ، وهو القابل الذي تؤثّر فيه الوسوسة . قلت : الأكمل والأشرف عدم خلق القابل ، كعدم خلق القلفة وسلامته من الانزعاج الذي حصل له عند شقّ الملك صدره الشريف صلّى اللّه عليه وسلم ، خصوصا في سنّ الطفوليّة . فالمسؤول خلاصكم السّبكيّ ، والخلاص من شباك سيّدنا السبكيّ . ولمولانا مناسبة بهذا الفن موروثة ، وفي البقيّة درر على طنافس الفضل مبثوثة . فأجابه الطبري بما نصّه : مولانا الذي يهطل بواكف ترفع لتلقّيه الأكفّ المبسوطة ، ويتألّق عن بارق يضئ به مظلم وجه الأرض البسيطة . ويرعد بما ينتجع إليه إذا سمع ثقة بوعده ، ويشرق بذكاء ذكاء أكسبت البدر ساطع ضيائه وطالع سعده . ويرهف سمهريّ القلم في كتيبة الكتابة بالمداد الأسود والأحمر ، ويرعف عضب اللّسان في معرك المناظرة والمناضلة فنال ما لم ينله اللّدن الأسمر . إمام البلاغة ، ربّ الكمالات المصاغة . دامت فرائد فوائده عقودا للنّحور ، واستمرّت وطفاء غيثه ممدّة للبحور . وافى المشرّف المشرّف ، المدبّج المفوّف ، فوقفت له أقدام الأفهام حيارى ، وأضحت تالية : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] . غير أنها دوات ما ألمّ بها بارتشاف سلسبيله ، واستضاءت بمصباحه لسلوك سواء سبيله . فرأت بعد التكلّف في التوفيق بين عبارة مولانا وبين مراده ، أنه لا معارضة بما أشار إليه من ختان من منح الله تعالى الخلق بإسعافه وإسعاده . أمّا أوّلا ، فلأنهم اختلفوا في أنه هل ولد مختونا أو أنه ختن بعد ولادته ؟ وقد قال بكلّ من القولين طائفة : فأمّا على القول الثاني فلا اعتراض بالمعارضة المذكورة . وأما على الأوّل فالكلام في جزء من الخلقة البشريّة ، من الأجزاء الشريفة ، التي لا تمكن الحياة بدونها في العادة ، فإنها هي المكمّلة للخلقة في الحقيقة ، وأما القلفة فهي كالأظفار والشّعور ، ممّا لا يترتّب على وجوده ما يترتّب على مثل العلقة المستكنّة في ذلك الموضع بالنسبة إلى الحياة . وأيضا الكلام فيما يترتّب عليه الأحكام ، فإن العلقة حيث كانت محلّ وسوسة الشيطان في البشر ، ربما يترتّب عليه عدم الإيمان ، عياذا بالله ، ولا كذلك القلفة . وأيضا خلق القفلة وإزالتها بعد ذلك قد وقع لغيره صلّى اللّه عليه وسلم ، كإبراهيم عليه السلام ، فلو وجدت فيه صلّى الله عليه وسلم ، ثم أزيلت لم يكن في ذلك كبير مزيّة بخلاف الشّقّ المذكور ، وإخراج العلقة المذكورة . نعم ، يرد على كلام السّبكيّ ، حيث قرّر أنه لم يكن للشيطان حظّ منه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأنّ خلق العلقة فيه لتكميل الخلق ، أنّه لا معنى لإزالتها بعد ذلك ، حيث لم تكن منه صلّى اللّه عليه وسلم مظنّة له ، فلا يتمّ حينئذ ما قرّره على ذلك النّمط . هذا ما لاح ، ودعا إليه الفلاح . قلت : فيه مناقشة أما نقله الاختلاف في كونه ولد مختونا ، فلم يكن إليه داع ، إذ